حسن الأمين
223
مستدركات أعيان الشيعة
وجوهرك المنقى ، غني عن مدحنا . وما ذا تفعل الماشطة ، في الحسن الموهوب من الله . . . ؟ ! ولم نصل في « شيراز » إلى المقصود والمراد . فيا حبذا اليوم الذي يرحل فيه « حافظ » إلى بغداد . . ! ! وعلى هذا النحو أخذ حافظ يتودد إلى أويس . وقد كان أويس رجلا له معرفة بالأدب ، لا يتخذ من الشعراء أقل من سلمان الساوجي شاعرية ، فلا بد إذن من أن يغتبط إذا ما انضم حافظ إلى بلاطه ، ذلك أن الأمراء الفرس كانوا يقيسون عظمتهم بعظمة حاشيتهم ومنجزاتها ، تماما كما يقيسونها بانتصاراتهم العسكرية . وكذلك أمل السلطان أحمد بن أويس بان يرحب بالشاعر الشيرازي في بغداد ، مما حدا بحافظ إلى أن يقول : احمد الله على معدلة السلطان . احمد ابن الشيخ أويس من حسن الايلخاني . الخان ابن الخان والشاهنشاه بن الشاهنشاه الذي يليق بك أن تسميه : « حياة العالم » . . . . . ولم تنفتح لمتعتي برعمة واحدة من براعم الورد الفارسية . فيا حبذا دجلة بغداد . . . ويا حبذا خمرها الريحانية . . . ! ! وافعل كالأتراك . . . فصفف ذؤابتك وهذب طرتك ففي طالعك الجود « الخاقاني » والنشاط « الجنكيزخاني » . . ! ! وهو في قصيدة أخرى يقول مفتخرا : ولقد أسرت ، يا حافظ ! ! « العراق » و « فارس » بالشعر الحلو . فتعال الآن ! ! فالنوبة نوبة « بغداد » والوقت وقت « تبريز » . ولكن عندما تحق الحاقة ، لم تكن الصعوبات وخيبة الأمل لتبعده عن موطنه الأصلي الحبيب : ونسيم « المصلى » ومجرى نهر « ركنآباد » . لم يأذنا لي بالسير والسفر . . . ! ! وكن ك « حافظ » فلا تأخذ القدح الا على أنين القيثارة فإنهم قد عقدوا حبات القلوب إلى أوتارها الحريرية الطروبة . . . ! ! وتذكرنا أماكن الجمال المعروفة هذه في شيراز بقصيدة أبعد شهرة هي « الأغنية الفارسية » لحافظ التي خلدها في الإنجليزية السير وليم جونز بلغته الإنجليزية الكلاسيكية الرفيعة : لو أن ذلك التركي الشيرازي يأخذ قلوبنا بإشارة واحدة من يده . فإنني من أجل خاله الأسود أهبه « سمرقند » و « بخارى » . فيا أيها الساقي ! ناولني الخمر القانية ، فلن تجد في جنة المأوى . أحلى مكانا من حافة نهر « ركنآباد » وروضة « المصلى » . ولنسمع حافظا في قصيدة أخرى خفيفة الروح ممتعة يمتزج فيها موضوعا الحب والخمر امتزاجا بارعا يخفي ما تتضمنه القصيدة من مديح ، لنسمعه يناظر قصيدة لسعدي فيذكر ممر « الله أكبر » الذي يقع إلى الشمال من شيراز : اي حاجة لحديقتي إلى السرو والصنوبر ؟ ! وهل تقل عنهما شجرة الشمشاد الناشئة عندي في المنزل فيا أيها « الناشئ المدلل » ! أي مذهب اتخذت لنفسك بحيث أصبح دمي حلالا لك أكثر من لبن أمك ؟ ! فإذا رأيت الهموم تطل عليك من بعيد ، فاطلب الشراب فقد شخصنا لك داءك ، والمداواة به مقررة . ولما ذا ننسحب ونبتعد عن أعتاب « شيخ المجوس » بائع الشراب . . . ؟ ! والحظ الموفق في ذلك الجناب ، والفتح الميسر في ذلك الباب . . . ! ! و « احزان العشق » ليست الا قصة واحدة ، ولكن ما أعجبها من قصة ! ! أسمعها في كل لسان ، ولكنها غير مكررة ! وليلة أمس ، أعطاني الحبيب موعدا بوصاله وكان الشراب يلعب برأسه . فاليوم ما عساه يقول ؟ ! وما ذا يكن لي في رأسه ؟ ! ولا تعب « شيراز » ونهر « ركنآباد » وهذا النسيم البليل . ولا تحقر أمرها فهي ، « الخال » على خد الأقاليم السبع وفرق بين ماء الخضر الذي مكانه في الظلمات وبين نهرنا الذي منبعه « الله أكبر » . ونحن لا نضيع شرف الفقر والقناعة فقل للمليك : « ان القوت اليومي مقرر مقدر . . . ! ! » ويا حافظ ! ! اي طرفة بديعة قلمك الذي هو عود من النبات ! ! والذي يثمر من الفاكهة المحببة إلى القلب ما هو أحلى من الشهد والسكر . . . ! ! وتنتهي القصيدة بما سمح به للشاعر من فخر تلاعب فيه حافظ تلاعبا فيه الكثير من الابتكار . وقد ذكر الشاه شجاع على أقل تقدير في خمس من قصائد حافظ . ويمكننا أن نؤكد بقدر ما يخولنا الظن من تأكيد بان هناك مقطوعات شعرية أخرى كثيرة جدا نظمها حافظ لكي تنال رضى الشاه دون أن يذكر اسمه فيها . هذا ولم ينس حافظ أن يتودد أيضا إلى وزراء الشاه الكبار الذين تمكن بفضلهم وحدهم أن يصل إلى الأمير . وهناك اثنان من الوزراء على الأخص كانا هدفا لسهامه الغنائية المجنحة ، ويروى ان الوزيرين أجازاه بما يستحق . وقد ذكر حافظ قوام الدين محمدا خمس مرات في شعره . وقوام الدين هذا قام بدور مهم في حملات الشاه شجاع العسكرية . وكذلك نظم حافظ بجلال الدين توران شاه قصائد كثيرة . وقد بقي جلال الدين هذا في خدمة الشاه شجاع مدة عشرين عاما ، ومات بعد سيده بستة أشهر . ودرج حافظ على تشبيهه باصف وهو وزير سليمان ، كما تذكر الأساطير العربية . وتشبيه هذا الوزير باصف مديح لبق يتضمن بطبيعة الحال أن الشاه شجاعا نفسه كان حكيما عظيما كما كان سليمان . ولى الشاه شجاع قبيل موته ابنه زين العابدين عليا على شيراز ، كما ولى أخاه عماد الدين احمد على كرمان . وما أن تسلم علي الحكم حتى خاصمه ابن عمه الشاه يحيى خصاما لم ينفع معه عقد الصلح ، فخسر أصفهان وهرب إلى يزد . وفي سنة 1387 علم يحيى ان عامله على أصفهان مظفرا الكاشي استسلم لتيمور عند مقدمه ، فغادر شيراز إلى بغداد وتركها إلى الشاه يحيى ليوقع ما يستطيع من شروط مع الفاتح الرهيب . أما أهالي أصفهان فقد بلغ بهم الجهل أن قتلوا رسل تيمور ليدفعوا دماءهم ثمنا لتهورهم هذا في مجزرة رهيبة . وولى تيمور السلطان احمد على إقليم فارس وعلى كرمان . وتوالت على ذلك سلسلة عجيبة من الأحداث تعبر عن طبيعة الأقدار المتقلبة التي حلت بذلك الزمان . أما زين العابدين علي فقد ضمن صداقة ابن عمه الشاه منصور في ششتر وذلك أثر مغادرته لشيراز . ولكن الشاه منصورا هذا ما لبث أن هاجمه وأسره وبذلك فتحت الطريق إلى شيراز أمام الشاه منصور . ولم يطل المقام بعلي في الأسر ، فما لبث ان فر بمساعدة حراس السجن ليتحالف مع الشاه يحيى والسلطان احمد ضد الشاه منصور . ولكن هذا الأخير استطاع التغلب على هذا الحلف ليستولي على بلاد العراق بأجمعها . اما علي فقد أركن إلى الفرار . غير أن حاكم الري ألقى عليه